أتأمل الأسماء المحفورة على جدران المكان فأراها تتراقص على أنوار الغرفة الخالية و الغارقة بعتمة ضوءٍ ساطع يلغي فروقات الليل و النهار. ألتحف بغطاء مُثقل بالقصص و متسخ بأدمع عابرة توحي بسوداوية الحياة و اتساع العالم من حولي لتؤكد استحقاق الأنثى لوسام الغباء!
إغماضه أولى و محاولة لممارسة نعمة كنتُ امتلكها دون أن أعي بقيمتها, ربما اختلاف المكان و ابتعادي عن عالمي هو ما يمنع النوم من الاقتراب ربما هو استحالة وجودي في ذلك المكان لأظل مع حشود الأسماء المحفورة في بياض الجدران لتتراقص على أنغام الاستجداء التي أسمعها بالخارج. أدمع الصمت تنهمر من بين عيني المغمضة , أمسحها و أمارس لعبة التخيل عما يكون حال ابنائي هناك ليصفعني تصور بمكروهٍ أصابهم. أقف بعد أن أعيتني المحاولات في نحيبٍ و دعاء بحثاً عن مرفأ يقبل أن يحمل بعضاً من همي.. أتجه إلى الباب الخشبي لتكبلني الأحرف المحفورة على سطحه فألمس الكلمات لتصعقني حرارة الألم و قسوة المصير. تتكرر الأسماء في الأعلى هناك على اليمين و بين حواف الخشب فكل قضية مرت من هنا ختمت اسمها على كل بياض يخالف مصيرها. تأخذني التعرجات لأشارك ماضي الأحرف مراسم البكاء على الاسم و كيان الأنثى الذي يسقط خلفه لأبكي اسمي الذي لم يُحفر بعد أبكي زحمة الجدار بما لا يتسع لاسمي و أبكي البياض الذي أنسل هارباً ساعة اتخذت ذلك القرار.
"لم تنامي بعد؟ " صوت يأتيني من بين فراغات النافذة الحديدية , أقترب لأرى من يتحدث معي, كانت فتاة في أوائل العشرين يبدو في صوتها علائم السُكر مما جعل كلماتها تخرج بصعوبة يؤكد تعثر وعيها بين الواقع و ما تراه بداخلها
أجيبها بالنفي فضحكت كتأكيد بأنها تود الحديث و ترغب ببقائي بالقرب من الباب .أسمع الآذان معلناً بداية فجر يوم جديدو يبدأ ذهني بالعودة إلى أبنائي أتساءل عمن سيوقظهم فترفع صوتها مقاطعةً صمتي:" هيه أنتِ .. ما قضيتك؟؟"
لا أعرف كيف أجيبها و عن ماذا أتحدث فالهم طويل و الأسباب التي أدت بي لمعرفتها لا يمكن أن تحتضنها كلمات قصيرة ولا يوحي وعيها الغائب بأنها ستصبر لأبدأ الحزن من أول الحكاية.
صرختْ مجدداً :" هيه ألا تسمعين أو أنتِ مثلي بحاجة للإفاقة هههه" ألمتني الكلمات شعرتُ أنها ترغب أن تُقحمني معها في ذات الخطأ رغم إختلاف أسبابنا في الوجود خلف قضبان حديدية
صرختْ : " زوجي أتي بي إلى هنا .. أنا مظلومة" لتوقف ضحكتها المجلجلة كلماتي
أنظر إلى جسدها المترنح و عينيها الضائعة و أقف مكاني و رائحة خمرها تنبش ذاكرتي و تقترب من طفولتي لأجدني قريبة من حال تلك المخمورة فرائحتها تعيدني لمشاهد ظننتُ أنها مُحيت من ذاكرتي . عبق الخمر أعاد إلى مخيلتي طفلة تلهو بدمية بين صرخات والديها و ذات الرائحة تخنق المكان !! يااااه أعوامُ مضت و ما زلتُ أذكر و كأن ذاكرتي ألبوم ملئ بالصور البشعة .. أتذكر أختى الكبيرة و رغباتها المتواصلة بفستان جديد و أحذية تمنحها علواً أمام زميلاتها في المدرسة لأجدني بأوامر منها لصة أسرق المال من جيب أبي الغائب عن الوعي. ظلام دامس و برد ُيثلج المكان و بين الظلام و البرد بدأت السير بخطى متعثرة لتطأ قدمي جسداً مُلقى على الأرض بثوبٍ قذر و رائحة نتنة
يمنحني الخوف من عصيان أوامرها أقتراباً أكثر لتصدمني رائحة البول المختلط بالخمر أتردد للحظات لكنني أرى في حاله مبرراً لإرتكاب الجرم , هنا في هذا الظلام امتدت يدي لتضعني في أول درب الخطيئة.
صوت أقدام تقترب خطواتها من الممر المؤدي إلى الزنزانات يتبعها صوت سلسلة من المفاتيح , أقترب لأرى عجوز سمراء تلتف برداء يشابه ما كنتُ أرتديه للصلاة تطمئن عيناي لرؤيتها به .
أناديها :(يا خالة ما اسم هذا المكان ؟ لماذا لا أحد يرد على صرخاتي ) تتجاهلني و كأن صوتي تبخر في فضاء المكان.تبدأ بفتح الزنزانات و هي تخبط الأبواب بعصا تحمله استيقظوا هيا وقت الصلاة أمامكن خمس دقائق لتتوضأن
أخرج لأجد أمامي أجساد تتعثر في مشيتها اتأمل كل وجه عبرتُ بجانبه تحاول عيناي أن تفهم من هن و كيف أتين هنا . تتوقف السجانة أمام الزنزانة المقابلة لي و تصرخ بالفتاة الساقطة في نومٍ عميق فترد عليها بصراخٍ مماثل أغربي عني لن أصلي . يسقط قلبي هنا و أختنق بأدمعي ليخرج صوت نحيبي عالياً
تنظر إلي فتاة سمراء فترفع يدها نحو شفتيها : ( اسكتي يكفي نحيبك بالأمس لم تتركينا ننام .. أووف
تأتي السجانة و عيناها تقدح شرراً لتخبط باب دورة المياه بيديها و تأمرني بالسكوت , أنظر إليها أبحث بين قسوتها و غضبها عن عين ترى ألمي , عين ترق لي لتصفعني كلماتها : ( توقفي عن البكاء و إلا .. لو فكرتِ قبل أن تفعلي فعلتكِ المشينة الآن تبكين الآن ؟؟ هذه دموع الأفاعي و لن تنفعك هنا أبكيها على نفسك نحن نعرف قصصكن القذرة نعرف ماضيكن الأسود .
عدتُ إلى مكاني و فرشت سجادتي بدأت أصلي إلا أنني وقعت على أرضية الزنزانة , الآن أعرف أين أنا الآن أعي ما سيحدث لي .
لم أعي بنفسي و قد نمتُ في مكاني سوى شعاع شمس بدا في احتلال كل ظلام الغرفة و بدأت العصافير بالزقزقة و التنقل بين النوافذ. لماذا هي الحياة تسير ولم تتوقف كل شيئٍ على طبيعته إلا وجودي هنا. وجه جديد أطل من بين حديد النافذة و بجمود آلي أتى الصوت : "الفطور" و أخذت بوضع الصواني أمام الأبواب فناديتها و هي تضع صينيتي : " الله يخليكِ أحتاج مناديل" لكنها لم ترد أعدت رجائي ولو تجبني. بدأت تفتح الأبواب و هي تصرخ
" لا أحد يخرج"
يُتبع